محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
277
الآداب الشرعية والمنح المرعية
لخبر أبي هريرة رضي اللّه عنه وفي ذلك هو متفق عليه " 1 " خلا ذكر الصغير على الكبير فإنه انفرد به البخاري . وذكر صاحب النظم ذلك كما ذكره الأصحاب ثم قال : وإن سلم المأمور بالرد منهم فقد حصل المسنون إذ هو مبتدىء ، وظاهر هذا صريحه أنه إذا بدأ بالسلام من قلنا يبدأ غيره أنه تحصل السنة بسلامه ويكون مبتدئا ، وهذا خلاف ظاهر كلامه السابق وكلام الأصحاب والأخبار ، ويكون فهم من كلام الأصحاب والأخبار أن ذلك كمال السنة وأفضلها ، وهذا يقتضي أن غيره سنة مفضولة بالنسبة لاشتراكهما في الأمر بإفشاء السّلام وامتياز أحدهما وهذا محتمل ، وقد قال في شرح مسلم عما جاء في الأخبار للاستحباب ، قال : ولو عكسوا جاز وكان خلاف الأفضل ، قال : وقد يكون مواده أنه يأتي بالجواب بصيغة الابتداء كما تأتي المسألة . لكن فكيف يقول حصل المسنون وإنما حصل المفروض ؟ ويقول إذ هو متبدىء إنما يكون مجيبا ، واللّه أعلم . قال ابن هبيرة : إن سلم على رجل فقد أمنه ، فالفارس أقوى من الراجل فأمر عليه السّلام بسلام الأقوى على الأضعف ، وسلام القليل على الكثير ، أقل حرجا ولو سلم الغائب عن العين من وراء جدار أو ستر : السّلام عليك يا فلان أو سلم الغائب عن البلد برسالته أو كتابه وجبت الإجابة عند البلاغ عندنا وعند الشافعية لأن تحية الغائب كذلك . ويستحب أن يسلم على الرسول قيل لأحمد : إن فلانا يقرئك السّلام ، قال : عليك وعليه السّلام . وقال في موضع آخر : وعليك وعليه السّلام . وقال : وكذلك روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له رجل : أبي يقرئك السّلام ، قال : " عليك وعلى أبيك السّلام " وقال الخلال : أخبرني يوسف بن أبي موسى قيل لأبي عبد اللّه إن فلانا يقرئك السّلام . قال : سلم اللّه عليك وعليه . وهو معنى ما سبق عندنا ولهذا يجب رد السّلام . وقال ابن عبد البر : قال رجل لأبي ذر : فلان يقرئك السّلام ، فقال هدية حسنة ومحمل خفيف . قال الشافعية : ويستحب بعث السلام ويجب على الرسول تبليغه ، وهذا ينبغي أن يجب إذا تحمله لأنه مأمور بأداء الأمانة وإلا فلا يجب ، وفي الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " يا عائش هذا جبريل يقرأ عليك السّلام " " 2 " فقالت : وعليه السّلام ورحمة اللّه ، زاد البخاري في رواية : وبركاته . زاد أحمد : جزاه اللّه خيرا من صاحب ودخيل فنعم الصاحب ونعم الدخيل . فيه دليل على أنه لا يجب الرد على مبلغ السّلام وهو الرسول . وفيه ترخيم المنادي ويجوز فتح آخره وهو الشين هنا وضعه . ومعنى " يقرأ عليك السّلام " يسلم عليك . قال في شرح مسلم : وفيه بعث الأجنبي السّلام إلى الأجنبية الصالحة إذا لم يخف ترتب مفسدة .
--> ( 1 ) تقدم قريبا . ( 2 ) رواه البخاري ( 3217 ) ومسلم ( فضائل الصحابة / 2447 ) .